محمد سعيد رمضان البوطي
182
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ ، قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ، أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ؟ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً ، وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [ آل عمران 3 / 144 ] . ولقد اتضح الأثر الإيجابي لهذا الدرس ، يوم أن لحق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فعلا بالرفيق الأعلى ، فقد كانت شائعة أحد هذه ، مع ما نزل بسببها من القرآن ، هي التي أيقظت المسلمين ونبهتهم إلى الحقيقة ، فودعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بقلوبهم الحزينة ، ثم رجعوا إلى الأمانة التي تركها بين أيديهم ، أمانة الدعوة والجهاد في سبيل اللّه ، فنهضوا بها أقوياء بإيمانهم أشداء في عقيدتهم وتوكلهم على اللّه تعالى . تاسعا : ولنتأمل في وقع الموت على أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وهم من حوله يحمونه بأجسادهم من نبال المشركين وضرباتهم ، يتساقطون الواحد منهم إثر الآخر تحت وابل السهام ، وهم في نشوة عارمة وحرص حريص على حفظ حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، لا يبالون بغير ذلك ! . . فما هو مصدر هذه التضحية العجيبة ؟ . إنه الإيمان باللّه ورسوله أولا ، ثم محبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ثانيا ، فهما معا سبب هذه التضحية الرائعة العجيبة . والمسلم يحتاج إليهما معا ، لا يكفيه أن يدّعي الإيمان بما ينبغي الإيمان به من أمور العقيدة ، حتى يمتلئ قلبه بمحبة اللّه ورسوله أيضا ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : « لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين » « 31 » . وبيان ذلك أن اللّه عز وجل قد غرس في الإنسان عقلا وقلبا . أما الأول فلكي يفكر به فيؤمن بما يجب الإيمان به . وأما الثاني فلكي يستعمله في محبة من أمر اللّه بمحبته وبغض من أمر ببغضه . وإذا لم يشغل القلب بمحبة اللّه ورسوله والصالحين من عباده ، فسيمتلئ ولا بد بمحبة الشهوات والأهواء والمحرمات . وإذا فاض القلب بمحبة الشهوات والأهواء فهيهات أن يصبح الاعتقاد وحده حاملا لصاحبه على أي عمل من أعمال التضحية أو الفداء . وهذه الحقيقة من الأوليّات التي أقرها علماء التربية ، والأخلاق ، ودلت عليها التجارب البدهية ، واسمع ما يقوله في ذلك جان جاك روسو في كتابه ( أميل ) : « كم قيل وأعيد القول عن الرغبة في إقامة الفضيلة على العقل وحده ، ويا له من أساس متين ! . . أي أساس هذا ؟ ! . . إن الفضيلة كما يقولون هي النظام ، ولكن هل يستطيع الإيمان بالنظام أن يتغلب على مسرتي الخاصة ؟ . . إن هذا المبدأ المزعوم ليس إلا لعبا بالألفاظ فالرذيلة هي حب النظام بشكل مختلف » « 32 » .
--> ( 31 ) متفق عليه . ( 32 ) راجع التوسع في هذا البحث كتابنا : تجربة التربية الإسلامية في ميزان البحث .